نشرت في قسم | مقالات ودراسات

لغز بند الإعتماد الإجمالى

نشر بتاريخ 04 - 05 - 2010

لغز بند الإعتماد الإجمالى*

بقلم / عبد الخالق فاروق

الخبير فى الشئون الاقتصادية

أبرز ما يميز عهد الرئيس الحالى “حسنى مبارك” هو الخروج على الشرعية بأسم القوانين واللوائح، سواء كان ذلك فى ممارسته لمهام وظيفته، أو أثناء ممارسة المحيطين به ورجال الحكم والإدارة فى كل المواقع التنفيذية لمهام وظيفتهم، وقد أمتد هذا الوباء إلى مجال الصحافة فمارس جل رؤساء التحرير ورؤساء مجالس إدارات الصحف الحكومية “القومية”، ذلك السلوك المعيب، بحيث أصبح هناك مظلة “قانونية” تحمى ممارسات الفاسدين وتبعدهم عن مجال المساءلة القانونية والقضائية الحقيقية.

وتجسد حكاية “بند الإعتماد الإجمالى” هذه الحقيقة فى مجال الموازنة العامة للدولة، فما هى الحكاية ؟ وما هو وجه المخالفة الدستورية فيها؟

بعيدا عن شرح التطور التاريخى لهيكل الموازنة العامة للدولة المصرية، والذى قد نعرضه فى وقت لاحق، نتوقف عند نشأة بند “الاعتماد الإجمالى” الذى كان ملازما لتطور مفهوم السرية و”الأمن القومى” بمضامينه العسكرية بعد عام 1952.

فقبل هذا التاريخ كانت كل بنود الميزانية الحكومية المصرية واضحة وعلنية، لدرجة تثير أحيانا الضحك والسخرية، حتى أن عدد رتب الجيش والنفقات السرية لوزارة الداخلية كانت معلنة فى مجلدات الموازنة الحكومية، التى لم تكن قد تجاوزت عام 1951 حوالى 188 مليون جنية. بيد أن ذلك ظل محدودا طوال عقد الستينات، فقد بلغت مخصصات بند “الاعتماد الإجمالى” ما بين 2.3 مليون جنية فـى بعض السنوات (63/1964) وحوالى 16.9 مليون جنية عام (65/1966)، وكان هذا المخصص المالى يقع معظمه داخل ميزانية ” قطاع الأعمال ” وليس ” قطاع الخدمات” وذلك بهدف تعزيز مخصصات المكافآت لعمال القطاع العام والأرباح السنوية التى كانت توزع عليهم .

ثم حدث العدوان الإسرائيلى فى الخامس من يونيه عام 1967، وأعيد تنظيم هيكل الموازنة العامة المصرية، لتقسم إلى خمسة أقسام، أنفرد منها “صندوق الطوارىء” وبند “الاعتماد الإجمالى” ببعض من المخصصات المالية الموجهة للمجهود الحربى، ونشاط أجهزة الاستخبارات ومقتضيات ظروف الطوارىء عموما.

وبعد عام 1973 صدر قانون جديد لتنظيم الموازنة العامة للدولة (رقم 53 لسنة 1973)، أعاد فيه المشرع تنظيم الموازنة إلى ما كانت عليه قبل عدوان الخامس من يونية عام 1967 تقريبا ، دون أن يعود إلى فكرة تقسيمها إلى ميزانيتى “أعمال” و”خدمات “، وأنما وزعها بين ميزانية للأستثمار وأخرى للأنشطة الجارية داخل نطاق وحدة الميزانية.

وفـى عام 1979حدث تطور خطير، وذلك بأصدار القانون رقم (11) لسنة 1979، الذى سلخ القطاع العام وشركاته والهيئات الاقتصادية عن الميزانية العامة للدولة، وأفرد لكل منها موازنة مستقلة، تحت زعم منح هذه الجهات المرونة المالية للعمل وفقا لآليات السوق، فكان ذلم بمثابة المسمار الأول فى نعش الملكية العامة للأصول الانتاجية، ومهدت لكل المصائب التى لحقت بالاقتصاد المصرى، واقتصاد الفقراء وكاسبى الأجور والمرتبات لصالح الطبقة الرأسمالية الداخلية الجديدة.

المهم ، ودون أن ينتبه أحد من المحللين الاقتصاديين والسياسيين المصريين، خاصة من قوى المعارضة السياسية، نما بند الاعتماد الإجمالى الذى كان من المفترض أن يكون مخصصا لمواجهة الظروف الطارئة فقط مثل الزلازل والفيضانات والكوارث عموما ، فإذا به ينحو فى إتجاه مختلف تماما ..!!

جدول رقم (2)

تطور بند ” الاعتماد الإجمالى فى الموازنة العامة المصرية

خلال الفترة 91/1992 -2001/2002 ” بالمليون جنية”

السنوات المبلغ
91/1992 718.9
92/1993 919.5
93/1994 1010.6
94/1995 1374.9
95/1996 1584.8
96/1997 2072.3
97/1998 2847.8
98/1999 3335.8
99/2000 4185.6
2000/2001 4691.6
2001/2002 5270.9

المصدر: مجلدات الحساب الختامى، ومجلدات الموازنة العامة للدولة للسنوات محل الدراسة.

فبعد أن أعلن ” السادات ” الكارثى بأن “حرب أكتوبر هى أخر الجروب”، كان من المفترض أن تنخفض تكاليف أجهزة الأمن عموما، ولكن ما جرى على العكس تماما، حيث زادت هذه المخصصات المالية عاما بعد أخر، وأضيف إليها المعونة العسكرية الأمريكية منذ عام 1979، والتى تراوحت بين 1.2 مليار دولار و900 مليون دولار سنويا طوال هذه الفترة. أما بند “الاعتماد الإجمالى” فقد كان الباب الخلفى لتعزيز مرتبات ومكافآت كبار رجال الأمن والقوات المسلحة ، فيما أطلق عليه سرا “علاوة الولاء” ..!!

وأدى استمرار إعلان حالة “الطوارىء” منذ أغتيال الرئيس السابق “أنور السادات” وحتى يومنا، إلى مضاعفة مرتبات ومكافآت أفراد قوات الأمن والشرطة والقوات المسلحة، وهكذا تطور بند الاعتماد الإجنالى حتى بلغ فى موازنة العام المالى الجديد 2005/2006 حوالى 16.5 مليار جنية، وبخلاف هذا فهناك بند الإعتماد الإجمالى على مستوى النفقات الجارية (الباب الثانى)، وهى تكاد تتجاوز هذه المبالغ المخصصة لبند الاعتماد الإجمالى للباب الأول، ويتجه جزء ليس بقليل لتلبية أحتياجات الشرطة والقوات المسلحة ورئاسة الجمهورية ، وغيرها من الأجهزة الحساسة التابعة للرئيس.

أنتهاك المشروعية المالية

والخطير فى هذا الأمر، أن وضع هذه المبالغ والمخصصات المالية يمثل أنتهاكا خطيرا لمبدأ “المشروعية المالية ” من حيث:

1-أن هذه المبالغ توضع بصورة إجمالية دون تفاصيل.

2-ويضاف إن تأخير عرض الحساب الختامى للميزانية لمدة سنتين أو ثلاثة يؤدى إلى ميوعة المسئولية الوزارية والإدارية، ويحول دون مراجعة الشعب أو بقية الأجهزة الرقابية – كالمحاسبات أو غيرها – لتوزيع صرف الاعتمادات الإجمالية، خاصة تلك الاعتمادات التى تذهب إلى قوات الأمن والشرطة.

3-كما أن هناك وسائل أحتيالية أخرى تجرى من خبراء الموازنة العامة فى وزارة المالية، حيث عادة ما يلجأون إلى توزيع بند الاعتماد الإجمالى الخاص بين “الأقسام العامة” أو الدفاع والأمن والعدالة من أجل إخفاء الأحجام الحقيقية، ولكن الباحث المدقق والمثابر الجاد يستطيع أن يتعقب هذه المخصصات فيكتشف وجهتها الحقيقية.

تطور مخصصات الرسمية – دون بند الاعتماد الإجمالى – للقوات المسلحة

خلال الفترة 91/1992 -2005/2006 “بالمليون جنية”

السنوات المبلغ
91/1992 4495.6
92/1993 5290.4
93/1994 6121.7
94/1995 6723.0
95/1996 7412.9
96/1997 8159.5
97/1998 8135.0
98/1999 8899.8
99/2000 9820.7
2000/2001 10900.0
2001/2002 12234.6
2002/2003 13214.5
2003/2004 14399.5
2004/2005 14110.6
2005/2006 15635.6

المصدر: مجلدات الموازنة العامة للدولة للسنوات محل الدراسة.

أى أن ما حصلت عليه القوات المسلحة – رسميا فى الموازنة – خلال الخمسة عشرة عاما الماضية قد تجاوزت 145.6 مليار جنية، وإذا أضفنا إليها ما حصلت عليه من بند الإعتماد الإجمالى، وهو الباب الخلفى لدعم مكافآت ومرتبات الضباط، فان الرقم سوف يزيد عن 200 مليار جنية بخلاف أموال المعونة العسكرية الأمريكية  التى زادت عن 30 مليار دولار خلال الفترة من 1979 حتى عام 2005.

وإذا أضفنا مخصصات وزارة الداخلية التى حصلت خلال نفس الفترة على حوالى 45 مليار جنية، فان الصورة تبدو واضحة بشأن نمط أولويات هذا الحكم وهذا الرئيس.


2 Comments For This Post

  1. د.محمد شحرور says:

    شكرا للأستاذ عبد الخالق فاروق على هذا الجهدوعلى نشر هذه المعلومات الهامة ونرجوا التوضيح أكثر .كم تبلغ مخصصات الجيش والشرطه ومؤسسة الرئاسة بالنسبة للتعليم والصحة والبحث العلمى.وكيف يتم صرف هذه المخصصات بين الرواتب والتسليح والتدريب وخلافه….وماهى النسبة بين مخصصات الجندى ومخصصات قادة الجيش والشرطة؟وماهى الجهات الرقابية فى الدولة المخول لها مراقبة ومراجعة هذه الميزانيات؟وماهى الجهات السيادية الأخرى؟ولماذا تم توقف الرصد عند العام2005-2006؟برجاء الأستمرار فى تنورينا بمثل هذه المعلومات الهامة ولك كل الشكر والتقدير

  2. مواطن says:

    اشكرك على المعلومات الدقيقة ولكن ارجو نشر مخصصات رئاسة الجمهوريةبالتفصيل وايضا الفارق الكبير ما بين رواتب الجنود مقارنة بالقيادات

2 Trackbacks For This Post

  1. Kylie Batt says:

    Эта блестящая фраза придется как раз кстати…

    ……

  2. Erazor-709 says:

    Erazor-709…

    Замечательный сайт на PHP по отдыху http://sheyping.com/ для профи…

أكتب تعليقك